الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
176
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ إلى آخرها مفرعة على جملة فَدَعا رَبَّهُ ، ففهم من التفريع أن اللّه استجاب دعوته وأن إرسال هذه المياه عقاب لقوم نوح . وحاصل المعنى : فأرسلنا عليهم الطوفان بهذه الكيفية المحكمة السريعة . وقرأ الجمهور فَفَتَحْنا بتخفيف التاء . وقرأه ابن عامر بتشديدها على المبالغة . والفتح بمعنى شدة هطول المطر . وجملة فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ مركب تمثيلي لهيئة اندفاق الأمطار من الجو بهيئة خروج الجماعات من أبواب الدار على طريقة : وسالت بأعناق المطيّ الأباطح والمنهمر : المنصب ، أي المصبوب يقال : عمر الماء إذا صبه ، أي نازل بقوة . والتفجير : إسالة الماء ، يقال : تفجر الماء ، إذا سال ، قال تعالى : حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [ الإسراء : 90 ] . وتعدية فَجَّرْنَا إلى اسم الأرض تعدية مجازية إذ جعلت الأرض من كثرة عيونها كأنها عين تتفجر . وفي هذا إجمال جيء من أجله بالتمييز له بقوله : عُيُوناً لبيان هذه النسبة ، وقد جعل هذا ملحقا بتمييز النسبة لأنه محول عن المفعول إذ المعنى : وفجرنا عيون الأرض ، وهو مثل المحول عن الفاعل في قوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] ، أي شيب الرأس إذ لا فرق بينهما ، ونكتة ذلك واحدة . قال في « المفتاح » : « إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس إذ وزان اشتعل شيب الرأس ، واشتعل الرأس شيبا وزان اشتعلت النار في بيتي واشتعل بيتي نارا » اه . والتقاء الماء : تجمع ماء الأمطار مع ماء عيون الأرض فالالتقاء مستعار للاجتماع ، شبه الماء النازل من السماء والماء الخارج من الأرض بطائفتين جاءت كل واحدة من مكان فالتقتا في مكان واحد كما يلتقي الجيشان . والتعريف في الْماءُ للجنس . وعلم من إسناد الالتقاء أنهما نوعان من الماء ماء المطر وماء العيون . و عَلى من قوله : عَلى أَمْرٍ يجوز أن تكون بمعنى ( في ) كقوله تعالى : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها [ القصص : 15 ] ، وقول الفرزدق :